الشيخ محمد الصادقي
257
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ولان الفسوق دركات فالضلالة الناتجة عنه أيضا دركات طبقا عن طبق ، فالفسوق المروق عن مطلق الطاعة ضلال مطلق مطبق ، والفسوق عن الطاعة المطلقة وهو مطلق الضلال غير مطبق ، فالحياد عن منهج اللّه ومحادّة حكم اللّه والحداد عن حدود اللّه هو الفساد الشامل للنفوس والأحوال ، التي تردي في الأوحال ، ومن ثم فحق لهم أن يضلهم اللّه بما يطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » . ثم و « مثلا ما » « 1 » يشمل كافة الأمثال القرآنية ، ومثلا منها : « البعوضة » وهي أضعف ما يعرف عاميا من خلق اللّه « فَما فَوْقَها » في الضعف والخساسة ، الذي يعرفه البعض بعيون مجردة أو مسلحة « 2 » ولكن اللّه إذ يواجه الناس أجمعين يضرب أمثالا يعرف الناس أجمعون : نملا بعوضة - ذبابا - عنكبوتا - نحلا : وهي على صغرها وخستها حجما ، عظيمة في خصّتها خلقة وخاصّتها مثالا : فلما ذا اللّه يستحيي أن يضرب مثلا مّا : بعوضة فما فوقها ؟ وما الأمثال في القرآن إلّا مظاهر نعيشها ، تدليلا على حقائق نجهلها . ويا لمثل البعوضة فما فوقها من ملابسات هامة فيزيولوجيا وحيويا
--> ( 1 ) . « ما » هنا ليست زائدة . وانما تعني الإجمال الشامل لكل مثل ، كما يقال : شيئا مّا - امرا مّا - رجلا مّا - شخصا مّا ، ف « ما » تؤكد التنكير الإجمال فيما قبله وتعمّه . . ف « بعوضة » منصوب على البدلية من « مَثَلًا ما » دون حاجة إلى تكلفات أخرى تأبى عنها كلام اللّه ! . ( 2 ) . لان المقام هنا الإجابة عما يسئل عن صغر المثال « فَما فَوْقَها » هنا تعني : ما فوقها في الصغر والخسّة ، حيث الفوقية تختلف مواردها وكما يقال : فلان فوق فلان في الفقر - في اللؤم - في الفسق أو في الصغر ، حيث الفوقية فيها هو الشدة في كل منها . . . ومع ذلك كله « فَما فَوْقَها » في الآية تتحمل الفوقين : ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها في الصغر كالنملة وما فوقها ، أو في الكبر كالنحلة وما فوقها .